الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
24
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وميكائيل وإسرافيل . وعن عطاء : جبريل وميكائيل ومعهما ملك آخر . ولعل سبب إرسال ثلاثة ليقع تشكّلهم في شكل الرجال لما تعارفه الناس في أسفارهم أن لا يقلّ ركب المسافرين عن ثلاثة رفاق . وذلك أصل جريان المخاطبة بصيغة المثنى في نحو : « قفا نبك » . وفي الحديث « الواحد شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب » . رواه الحاكم في « المستدرك » وذكر أن سنده صحيح . وقد يكون سبب إرسالهم ثلاثة أن عذاب قوم لو كان بأصناف مختلفة لكل صنف منها ملكه الموكّل به . ووصفهم بالمكرمين كلام موجه لأنه يوهم أن ذلك لإكرام إبراهيم إياهم كما جرت عادته مع الضيف وهو الذي سنّ القرى ، والمقصود : أن اللّه أكرمهم برفع الدرجة لأن الملائكة مقربون عند اللّه تعالى كما قال : بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [ الأنبياء : 26 ] وقال : كِراماً كاتِبِينَ [ الانفطار : 11 ] . وظرف إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ يتعلق ب حَدِيثُ لما فيه من معنى الفعل ، أي خبرهم حين دخلوا عليه . وقوله : فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ تقدم نظيره في سورة هود . وقرأ الجمهور : قالَ سَلامٌ . وقرأه حمزة والكسائي قال سلم بكسر السين وسكون اللام . وقوله : قَوْمٌ مُنْكَرُونَ من كلام إبراهيم . والظاهر أنه قاله خفتا إذ ليس من الإكرام أن يجاهر الزائر بذلك ، فالتقدير : هم قوم منكرون . والمنكر : الذي ينكره غيره ، أي لا يعرفه . وأطلق هنا على من ينكّر حاله ويظن أنه حال غير معتاد ، أي يخشى أنه مضمر سوء ، كما قال في سورة هود [ 70 ] فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ومنه قول الأعشى : وأنكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصّلعا أي كرهت ذاتي . وقصة ضيف إبراهيم تقدمت في سورة هود . و فَراغَ مال في المشي إلى جانب ، ومنه : روغان الثعلب . والمعنى : أن إبراهيم حاد عن المكان الذي نزل فيه الضيوف إلى أهله ، أي إلى بيته الذي فيه أهله . وفي التوراة : أنه كان جالسا أمام باب خيمته تحت شجرة وأنه أنزل الضيوف تحت